ابراهيم بن عمر البقاعي
506
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
عندما علم أنه عاجز عن قتله وملّاه ما رأى منه خوفا وذعرا ، دافعا عن نفسه ما يقال من أنه ما ترك موسى عليه السّلام مع استهانته به إلا عجزا عنه ، موهما أن آله هم الذين يردونه عنه ، وأنه لولا ذلك لقتله : ذَرُونِي أي اتركوني على أيّ حالة كانت أَقْتُلْ مُوسى وزاد في إيهام الأغبياء والمناداة على نفسه عند البصراء بالفضيحة بقوله : وَلْيَدْعُ رَبَّهُ أي الذي يدعوه ويدعي إحسانه إليه بما يظهر على يديه من هذه الخوارق ، ثم علل ذلك بقوله مؤكدا إعلاما بأنه الأمر صعب جدا لأنه كان منهم من يوهي أمره بأنه لا يؤثر ما هو فيه شيئا أصلا تقربا إلى فرعون ، وإظهارا للثبات على متابعته إِنِّي أَخافُ أي إن تركته أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أي الذي أنتم عليه من نسبة الفعل إلى الطبيعة بما يدعو إليه من عبادة إلهه . ولما ألهبهم بهذا الكلام إلى ممالأتهم له على موسى عليه السّلام ، زاد في ذلك بقوله : و أَنْ يُظْهِرَ أي بسببه - على قراءة الجماعة بفتح حرف المضارعة فِي الْأَرْضِ أي كلها الْفَسادَ * وقرأ المدنيان والبصريان وحفص بالضم إسنادا إلى ضمير موسى عليه السّلام وبنصب الفساد أي بفساد المعائش فإنه إذا غلب علينا قوي على من سوانا ، فسفك الدماء وسبى الذرية ، وانتهب الأموال ، ففسدت الدنيا مع فساد الدين ، فسمى اللعين الصلاح - لمخالفته لطريقته الفاسدة - فسادا كما هو شأن كل مفسد مع المصلحين ، وقرأ الكوفيون ويعقوب « أو أن » بمعنى أنه يخاف وقوع أحد الأمرين : التبديل أو ظهور ما هو عليه مما سماه فسادا ، وإن لم يحصل التبديل عاجلا فإنه يحصل به الوهن . [ سورة غافر ( 40 ) : الآيات 27 إلى 30 ] وَقالَ مُوسى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ ( 27 ) وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ أَ تَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ ( 28 ) يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جاءَنا قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكُمْ إِلاَّ ما أَرى وَما أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشادِ ( 29 ) وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ ( 30 ) . ولما أعلم بمقالة العدو ، أتبعه الإعلام بقول الولي فقال : وَقالَ مُوسى إبطالا لهذا القول وإزالة لآثاره مؤكدا لما استقر في النفوس من قدرة فرعون : إِنِّي عُذْتُ أي اعتصمت عند ابتداء الرسالة بِرَبِّي ورغبهم في الاعتصام به وثبتهم بقوله : وَرَبِّكُمْ